ما بين “أخر أيام الصيفية لفيروز” و”عيناك ليال صيفيه”، مروراً  بـ “كلمات” لماجده الرومي، في نفس الموعد ونفس الطريق مروراً بحديقة الشلالات مستمتعاً بالأجواء ومستمعاً بنفس الترتيب في كل مره أقود فيها سيارتي  إلي أن أصل، أعتدت وصديقتي منذ سنوات بعيده أن نتقابل مساء أول خميس من بداية كل شهر، فمن يصل فينا أولاً  يقف منتظراً الأخر أمام محل البن البرازيلي الواقع ما بين شارع صلاح سالم وشارع سيزوستريس.

فنجلس هناك يسرد كل منا للأخر بعض من تفاصيل ما حدث في الأيام الماضية خلال الشهر فنحتسي القهوة سويا ً، فالأجواء هناك أكثر من ممتعه، خاصه الجو العام للمكان ممتزجاً برائحه البن أثناء الطحن مع أغاني الستينات والسبعينات لـ ” Dean martin,  nana mouskouri ,charles aznavour، وربما أيضاً مروراً ببعض أغاني لـــ elvis presely.

ولكن هذه المرة كانت مختلفه، فصديقتي يبدو علي ملامحها الضجر والحيرة من تصرفات شخص مقرب إليها، عرفت ذلك مساءا عندما قصت لي إنها تعاني منذ فتره ليست بالبعيدة من إهماله لها غير واثقه إن كان عن عمد أو لا، فهو أصبح يكذب كثيراً وهذا أمر لم تكن معتاده عليه في سابق عهدها به، الأمر الذي جعلها تشك أنه ربما تغير أو أن هناك شيء طارئ، حدث لم تعلم عنه شيء، وأستمرت في الحديث،وأنا أستمع إليها لإدق تفاصيل ترويها، ولكن أثناء حديثها تغير سياق الكلام.

وبدأت تقص لي ما تفعل من أجله صباحاً ومساءا، وكيف تقوم بتشجيعه وتدعيمه وفناء طاقتها من أجل سعادته التي تري أنها لربما إن لم تفعل ذلك فتكون غير مستحقه له، وقرأت ما بين أسطر كلامها فكأن ما تفعله من أجله، المقابل له أستمراره ببقائه معها، فكأن البقاء ليس رغبه من الطرفين !!.

وسكتت للحظات، وإنتهزت فرصه صمتها وسألتها  وماذا يفعل هو !؟ من تغير ملامحها شعرت منها ولإول مره بإحراج، فنظراتها كانت واضحه وكأنها تريد القول، “يكافئني بالبقاء معي”.

لم يمر إلا وقت قليل علي صمتها وطلبت مني أن أطلب الحساب ونغادر، ونسير كعادتنا علي أقدامنا سوياً بشارع فؤاد مروراً بسينما أمير كما أعتادنا في كل مره، وبالفعل فعلنا وأثناء سيرنا إستأنفت حديثها مؤكده لي أنه لم يكن كذلك من قبل، فكل ما أراده في السابق مجرد أشاره خضراء للتواصل ولكنه الان هو من يجعل الاشاره حمراء أغلب الوقت دون أرادتها، متقلب المزاج ولاتعرف ماذا تفعل!!.

للحظه أدركت إني أستمع بأذن واحده،  فطرف واحد ليس كافي للفصل بصواب، فربما الطرف الثاني يكون له دوافعه ووجه نظر مختلفه تماما، ولكن بمحض الصدفه تذكرت موقف حدث لي يوم أمس قصصته لها، فأثناء مروري من أمام الجوازات مروراً بشارع الفلكي بمحطه الرمل،

شاهدت كارو يجرها حمار ضعيف البنيه  محمله بالقمامه يقودها رجل كهل تسير بسرعه ليست بالبطيئه ولاهي بالسريعه وفي الخلف كلبان يشبهان نوع الهاسكي الي حد قريب يسيران معاً تقريباً وراء الكارو بنفس السرعه وفي نفس الإتجاه ولكن يظهر عليهم علامات الإرهاق والتعب نتيجه أرتفاع درجه الحراره لكنهم رغم ذلك مستمرين في الجري متفانين وكأنهم يعبران لصاحب الكارو عن أخلاصهم له بالسير وراءه، متناسين ما يشعران به  من إلم.

ولكن كنت قد وصلت لسيارتي فأخذتها لإنهاء أمر في سبورتنج كنت مكلف به ولكن الطريق كان مزدحم بشكل جنوني فركنتها مره أخري في محطه الرمل ثم أخذت الترام الي محطه ترام سبورتنج وعندما أنهيت العمل أخذت الترام مره أخري من محطه ترام سبورتنج للعوده الي سيارتي في محطه الرمل ولكن في طريق العوده.

فوجئت بنفس الكارو، وما جعلني أتأكد وجود نفس السائق، ونفس الكلبان يسيران في مؤخرتها ولكن هذه المره رأيت واحد فقط  يلهث بجهد وراء الكارو مستنفذاً ماتبقي من طاقته، بينما الآخر كان علي مسافه، ولكنها بعيده بعض الشيء فيمشي ببطء، وكأنه يعرف المحطات التي سوف يتوقف فيها صاحبه، فمن المؤكد أن هذا الطريق يسلكه في كل مره يقوم فيها بنقل القمامه، فربما الكلاب تستطيع تخزين تلك الأشياء في ذاكرتها هذا ما أستنتجته .. وقبل أنتهائي من سرد ما حدث في ذلك اليوم قاطعتني قائله.

أتعلم .. الكلب الذي يلهث يعبر عن حبه وأخلاصه لصاحب الكارو ربما بطريقه مرهقه وقد تمرضه، ولكن الذي يسير ببطء أيضاً مخلص لصاحب الكارو ويحبه لكنه لا يلهث وراءه بطريقه تعيه أو تفقده طاقته.

ففي رأيك من منهم تصرف بحكمه !!.

أدركت صديقتي أن العلاقات الغير صحيه هي التي نلهث فيها أغلب الوقت فاقدين راحتنا وطاقتنا بينما الطرف الثاني المتمتع بتشوهات ذهنيه مستبيحاً مايأخذ ، فالإتاحه بشكل مستمر والتأكد من التواجد في العلاقات هي التي تجعل الطرف المستغل يطغط أغلب الوقت طالباً المزيد من اللهث وراءه، فهذا يرضيه ويشبع نواقصه.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.